القِبلة في لبنان

المشاهدات = 141 التعليقات = 0  
  •   تكبير الخط  
  •     تصغير الخط  
  •   Saturday 20 June 2020
    القِبلة في لبنان

    كتب: نجوى معروف



    تروي صديقتي فداء عن ذكريات طفولتها موقفاً طريفاً، تقول كنا قد وصلنا إلى لبنان قادمين من الدوحة، وجاءت جدتي لزيارتنا وبعد السلام والعناق سألتني على عجل أين اتجاه القِبلة؟ فأشرت لها بيدي وأنا مشغولة بلقاء الأحبة، وبينما جدتي تُصلي على الشرفة فإذا بجارتنا أم جورج تنادي: " يا أم محمد القِبلة هنيك عم بتصلي غلط الله يهديكِ! لا تؤاخذيني يا حاجة نسيت أقول لك الحمد الله على سلامتك".يا له من موقف ينبض بالإنسانية وحُسن الجوار والتعايش السلمي، تلمس فيه تلقائية الإحساس بالآخرين بمنتهى اللطف في التوجيه ورحابة صدر الطرفين، بغض النظر عن اختلاف ممارسة أحدهما لنفس الفعل وبنفس الطريقة.الصلاة عبادة وتواصل مع الله، ولأن الله الواحد الأحد خلقنا لعبادته فنحن نتقيه في كل أمورنا، ومن ضمنها الحرص على حياة الناس ومشاعرهم بحُسن المعاملة خاصة إن كانوا جيرانا. قال رسولنا محمد صل الله وسلم: "إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق"، ولو أن كل منا احترم الآخر بكل ما في الإنسانية من قيم راقية ولفت نظره بأدبٍ لَما تراكمت الأخطاء واسودت النفوس، أليس ما حدث سابقاً في لبنان وفي أرجاء العالم كان نتيجة السكوت عن التجاوزات والتصنيفات؟ ألم تنشب الخلافات نتيجة الاختلافات التي خلقت الفوقية والتنمّر فأدّت إلى تعزيز الطائفية وتوسيع الفجوات الطبقية؟لقد عاشت الشعوب بسلام رغم تتابع الرسل واختلاف الأديان حتى هبت زوابع المصالح التي استخدمت الطائفية لتفريق وحدة الصف وتدمير المشاعر الإنسانية، فحُسن الحوار والجوار لم يكن بحاجة لكل هذا التنوير إلا بعد كل ذلك التجهيل، بدليل أن الجميع يتعايشون بسلام في المهجر!



    أتذكرون أغنية الراحلة صباح: "مرحبتين ومرحبتين وينن هالدبيكة وين؟ وين محمود وين معروف وين الياس وين حسين؟" الكلمات رشيقة لكن ما أثقل قلب الشاعر اللبناني كان أعظم! لمْ أكن أعلم حينها أن تلك الأسماء ترمز لديانات وطوائف، أما الدبكة فهي رقصة شعبية تلزمهم التكاتف ووضع اليد باليد وتوحيد الخُطى في المسار، كنت صغيرة أردد الأغنية دون أن أدرك شيئا مما سبق، لكنني لمست لاحقاً عمق الجرح اللبناني قديماً والعربي حالياً.يأبى العقل السليم تصديق ما يجري للوطن العربي الغني من حيث الموقع الجغرافي والخيرات الطبيعية، لكن تداخل الاجتهادات البشرية باختلاف النيات ما ظهر منها وما بطن، أدى إلى نفوق الثروات والأنفس بالتفريق والتهجير والفقر والقتل، مع التمسك بنظرية المؤامرة الخارجية التي تُبرّئهم وتلوم الآخرين بصرف النظر عن أخطار العنصرية الداخلية على العباد والبلاد.(عندما تشرف السفينة على الغرق لن يخشى الجوعى من الموت، وسيصلي الجميع لله طلباً للنجاة، سيضحكون معاً وسيبكون معاً بعد أن ينسيهم شبح الموت ما كُتب في أوراقهم الرسمية.)


    وأعود لصديقتي التي بلا شك نالت تأنيبا لطيفا من جدتها وأم جورج أثناء تناولهما القهوة، أنصت لبراءتها المعهودة في السرد وهي تدمع وتضحك وتتحسر في آن واحد.

    شارك برأي أو تعليق أو اقتراح

    يرجى كتابة الاسم يرجى كتابة البريد الإلكترونيالبريد الإلكتروني غير صحيح  اكتب نص التعليقالتعليق قصير يجب أن يتجاوز 3 خاناتالتعليق طويل ولا يجب أن يتعدى 500 خانة

    أكتب معلومات الصورة الأمنية

    اقرأ أيضاً