بين الطموح والجموح

أضعت جذورك أيّها الرئيس

المشاهدات = 104 التعليقات = 0  
  •   تكبير الخط  
  •     تصغير الخط  
  •   Saturday 23 January 2021
    أضعت جذورك أيّها الرئيس

    ترامب

    كتب: د. نسيم الخوري



    1- في الـ 2008 زار دونالد ترامب مسقط رأس والدته  ماري آن ماكيلود في قرية إسمها تونغ 5 واقعة في جزيرة باردة فقيرة من اسكتلندا . ذهب إلى هناك بطائرته الخاصّة المؤلّفة من غرفة نوم وصالون إتّسع لدزينتين من أصدقائه ، ومائدة من الخزف النفيس والكريستال ومغسلتان مطليتان بالذهب وعلى طول الطائرة كلمة TRUMP بالأحرف النافرة مشعّة في المطارإنتقلوا منه في سيّارات سوداء إلى ذلك البيت المهدّم. لم يتمكّن ترامب من المكوث داخل بقايا منزل والدته أكثر من 97 ثانية.إلتقطت الصور التذكارية على عجلٍ ، وقال للمتجمهرين من حوله بصوتٍ خافت: 



    " أشعر براحةٍ تامّة هنا. هناك قوّة عظيمة تحميني. عندما يعود أصل والدتك إلى مكانٍ بسيطٍ، من الطبيعي أن تحبّ هذا المكان. أشعر الآن بأنني اسكتلندي لا أميركي، لكن لا تطلبوا منّي تحديد شعوري. ثمّة شعور قوي جدّاً في داخلي إكتسبته  من والدتي. لطالما أخبرتنا عن مصائب أهالي هذه الجزيرة وغرقهم في مراكب صيدهم للأسماك. هذا ما حصل لجدّ والدتي دونالد سميث وكان عمره 34. بقيت والدتي تذكره حتّى موتها. ولهذا وبعد عقود ، أطلقت أمّي اسمه على مولودها الرابع دونالد ترامب الذي هو أمامكم في 4 حزيران 1946.إذا كان هناك بينكم من لم يسمع ما قلت أقول: "لديّ أموال طائلة وأملاك سببها قوّة الفقر التي حملتها أمّي معها من هذا المكان وزوّدتني بها ... "إنّ من يرضى بالقليل في هذه الدنيا غبي لأنّه لا يعرف طعم الكثير".يقصّ ترامب بأنّ قوّته نابعة من دموع أمّه. كانت تعمل،  مثل أهالي تلك الجزيرة، في تربية المواشي والصيد في الخلجان وجمع الفحم لبيعه واستخدامه كوقود وجمع أعشاب البحر كسمادٍ في تلك الأرض القشيبة ، وكذلك بتنظيف أحشاء الأسماك. وعندما بلغت الثامنة عشرة مسكونة بحلم الهجرة نحو أميركا، صعدت إلى سفينة راسية محملة بالسمك والبشر، وسجّلت إسمها عند الحاجز أعلى السلم: "مساعدة منزليّة". قال ترامب: هذا تعبير فضفاض بالإنكليزية يعني "خادمة" ، ومع أنّه محقّ بذلك فإنّني أرفع للخدم  وفقراء الأرض قبّعات الحبر وأنحني.


    2- خرج آل ترامب من قرية "كالشتاد" في إلمانيا لا يتجاوز عدد سكّانها ألف نسمة. يعملون منذ ألفي سنة في زراعة الكرمة. البيت من غرفتين كان يتّسع لعائلة من ثماني أفراد وقبو للمواشي وآخر للمحاصيل السنوية. صعد جدّه فريديريك الذي امتهن الحلاّقة،  سفينة "أيدر" إلى نيويورك في ال 1885 مدوّناً إسمه في سجلاّت الهجرة الأميركية :"مزارع"، ليجد نفسه تائهاً في مدينةٍ عدد سكانها مليون ومئتي ألف نسمة. لم يكن للجدّ سبيلاً للمهن الرائجة آنذاك أعني خبراء ماليّين ومضاربين، لذا راح  يمارس مهنته الأصليّة حلاّقاً.لم يترك جدّه رأسأ في في 60 وول ستريت جنوبي مانهاتن إلاّ وقصّ شعره واعتنى بذقنه ، لكنّه لم يتخيّل أبداً، أنّ حفيده دونالد ترامب سيبني، بعد مرور قرنٍ، أضخم برج في 40 وول ستريت مؤلّفٍ من  طابقاً  وسيزيّن الطابق 72 إسم عائلته TRUMP متلألئة في الفضاء. هذا هو دونالد ترامب سليل المهاجرين الذي حاول إجتثاث جذور أميركا المهاجرة فلا يغريه سوى تراكم الثروات وجذب الإنتباه العالمي بمناظر قويّة بل فريدة أوصلته إلى البيت الأبيض.


    فقرتان تعليقاً على الجذور:


    1- غادر ترامب البيت الأبيض (13/1/2021) رئيساً لم تُترك له مساحةً لزقزقاته المثيرة  عبر "التويتر" بعدما بلغت وفق إحصاء 12 ألف تغريدة، كتب هو معظمها خلال 4 سنوات، وبلغت كلماتها 266 ألفاً و55 أي كتاباً من 780 صفحة. انشددت لتغريداته باعتبارها كانت مرآة لشخصيته المستفزّة والشديدة التحدّي والصلابة. وهروباً من هموم الكوفيد 19 المملّة في لبنان الثقيل، استغرقت في كتابه "ترامب بلا قناع" ذي ال 508 صفحات متوسّلاً تفكيك جذور شخصيّة الرئيس ترامب. شعرت وأنا أقرأ الكتاب، وكأنّني سمكة جائعة رموا أمامها في المحيطات ما لا يمكن جمعه من قصص الثروات والصفقات والمقتنيات الباهرة من الجواهر واليخوت والطائرات والنساء والفبركات الإعلامية وناطحات السحاب والثروات المتراكمة التي لا تأكلها النيران.


    2- قبل مغادرته المكتب البيضاوي وخلال عهده ولربّما بعده حفر ترامب بقوّةٍ يصعب محوها أو نسيانها  لأنّه الطموح المتآخى مع الجموح الذي قد يبقيه  أنموذجاً متداولاً بسيرته وتطلّعاته المنقوشة بالتحدّيات والمفاجآت. قال ترامب كلمته مغادراً في اليوم نفسه البيت الأبيض رافضاً المشاركة بتنصيب خلفه جو بايدن الرئيس المنتخب ال46 لأميركا، في سابقة لم تسجّل في تاريخ أميركا، بعدما كان الكابيتول قد تحوّل ثكنة محصّنة لهجوم أنصار ترامب عليه. ومهّد بايدن قبل تنصيبه متذكّراً ولايته وعائلته وأشقاءه وماضيه  من دون أن يتمكّن من تدارك دمعتين غالبتاه ليمسحهما بإبهامه. صحيح أنّ بايدن ألحّ في خطابه على الإيمان والحقيقة والوحدة ومحاربة الكورونا والتطرّف وثقافة التلاعب والتضليل بوجدانية واضحة، واعداً العالم بأميركا الجديدة بانتصار الديمقراطية.


    الأصحّ، أنّه لم ينس أمّه التي لقّنته وضع نفسه دوماً مكان الآخرين كي لا يؤدّي الإختلاف إلى التفرقة.

    شارك برأي أو تعليق أو اقتراح

    يرجى كتابة الاسم يرجى كتابة البريد الإلكترونيالبريد الإلكتروني غير صحيح  اكتب نص التعليقالتعليق قصير يجب أن يتجاوز 3 خاناتالتعليق طويل ولا يجب أن يتعدى 500 خانة

    أكتب معلومات الصورة الأمنية

    اقرأ أيضاً